
على وقع التفجيرات، تعيش المنصوري يومياتها. بلدةٌ كانت تضج بالحياة، صارت اليوم منكوبة، فيما يراقب أهلها من بعيد منازلهم وبساتينهم وهي تتهاوى أمام أعينهم. لم تفلح استغاثات الأهالي، ولا اللقاءات مع المعنيين في الميكانيزم والمفاوضين في روما، في وقف ما يصفه أبناء البلدة بحملة تدمير متواصلة. “بقيت الجرافات والتفجيرات أقوى من أي مناشدات”، هذا ما يقوله رئيس بلدية المنصوري حيدر مديحلي في حديثه لـِ “المدن”، عاجزاً عن تفسير سبب إبعاد الأهالي عن بلدتهم بعد عودتهم إليها لمدة 45 يوماً، قبل أن يبدأ تدميرها على نطاق واسع.
من نحو 30 في المئة دماراً خلال الحرب، ارتفعت نسبة الدمار في المنصوري إلى نحو 90 في المئة منذ “الإنذار المشؤوم”، كما يصفه أبناء البلدة. ومنذ ذلك الحين، يقف الأهالي عند مدخل الحنية، يراقبون ما تبقى من بلدتهم، ويتكرر بينهم السؤال نفسه: لماذا تُدمّر المنصوري بهذه الطريقة؟ وما الغاية من ذلك؟ لا يملك مديحلي جواباً. كل ما يعرفه، بحسب قوله، أن “الإنذار كان الغاية منه إبعادنا قسراً عن حياتنا”. ومنذ ذلك التاريخ، يقول، يعيش أبناء المنصوري واقعاً مختلفاً: “نرى التفجيرات والتدمير والقصف المدفعي كل يوم. تدمع العين، من دون كلام”.
بلدة تحت الرماد
تبدّل حال المنصوري رأساً على عقب. فالبلدة التي اشتهرت بكروم الحمضيات والموز، وكان إنتاج مزارعها السنوي يصل إلى نحو 50 ألف دولار، كانت أيضاً وجهة سياحية بفضل شاطئها وموقعها البحري. ويقول مديحلي: “شاطئ المنصوري وبحرها من أهم الشواطئ اللبنانية وأكثرها نظافة”.
اليوم، يغلب الدمار على المشهد. يحاول مديحلي أن يجد تفسيراً لما يجري، فيربطه بالموقع الجغرافي للمنصوري، من دون أن يصل إلى جواب حاسم. “نستغرب حجم التفجيرات التي ترمّد البلدة. نسأل الجميع عن الأسباب، ولا جواب”.
تقع المنصوري على مرتفع يشرف على صور ويمتد مداه إلى عدلون، وتبعد نحو 12 كيلومتراً عن الحدود مع فلسطين المحتلة ونحو 11 كيلومتراً عن صور. كما تشرف على الناقورة والبياضة وتجاور مجدل زون، ما يمنحها موقعاً جغرافياً حساساً.
يشدد مديحلي في حديثه لـِ “المدن” على أن القوات الإسرائيلية لم تدخل البلدة إلا بعد الإنذار الذي أبعد الأهالي عنها، قبل أن تبدأ عمليات التجريف والتفجير وتلغيم المنازل، وفق ما يقول. “لم تدخل المنصوري ضمن أي من الخطوط التي رسمها المحتل. عدنا إليها 45 يوماً، عشنا داخلها، وجهّزنا بساتيننا للحصاد. خسرنا مالنا والموسم معه، ومن خلفه خسرنا المنصوري، نجمة قرى صور”.
45 يوماً: انطفأت الحياة
كانت الأيام الخمسة والأربعين التي أمضاها الأهالي في المنصوري بعد الحرب بمثابة نافذة قصيرة للعودة إلى الحياة. أعاد السكان ترميم منازلهم ومحالهم، وعملوا على إعادة تشغيل بساتينهم، وبدأوا يستعيدون شيئاً من النشاط الزراعي والتجاري.
يقول مديحلي: “ضخخنا الروح في حارات المنصوري، وبدأنا نستعيد العافية الزراعية والتجارية في البلدة. كنا نخطط لإعادتها إلى واقعها قبل الحرب. ما حصل قتل الحياة فينا”.
لكن تلك العودة لم تدم. فيقول “اليوم نقف عند رصيف التدمير. ترتفع وتيرة التفجيرات يومياً، تسقط المنازل، تتهاوى القصور، وتتراجع كل مظاهر الحياة. الناس تفقد الروح، وهذا واقع صعب يواجهه كل فرد في المنصوري، ولم نجد من يسأل أو يوقف ما نتعرض له”.
لا تكاد التفجيرات تهدأ. يرافقها القصف المدفعي والغارات، سواء في المشاعات أو داخل الأحياء. ومع استمرارها، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل يجري إعداد المنصوري لتكون خط مواجهة أول بالنظر إلى موقعها الجغرافي؟ “سألنا كل المعنيين، السياسيين والأمنيين، ولم نجد جواباً عما يحصل في المنصوري. الحقيقة المرة الوحيدة الملموسة هي تدمير البلدة”.
اقتصاد خافت وبساتين قاحلة
قبل الحرب، كانت الزراعة تشكل نحو 70 في المئة من اقتصاد المنصوري، إلى جانب السياحة المرتبطة بشاطئها ومحمية حمى المنصوري، فضلاً عن الأموال التي يرسلها المغتربون إلى ذويهم. اليوم، يقول مديحلي، لم يبقَ من هذا الاقتصاد سوى الدعم الاغترابي، الذي وصل إلى نحو 150 ألف دولار للأهالي. “ما عدا ذلك صار اقتصادنا صفراً. خسرنا الحجر والشجر، ومعهما خسرنا كثيراً من الأحبة”.
اختفت معالم كثيرة من المنصوري، ومعها بساتينها وآبار مياهها التي يبلغ عددها نحو 350 بئراً. ولم يعد الضرر مقتصراً على المنازل والمنشآت، إنما طال دورة الحياة الاقتصادية والزراعية التي شكّلت أساس وجود البلدة.
ويضيف مديحلي أن الأهالي الذين كانوا يخططون لمواسمهم الزراعية، وجدوا أنفسهم اليوم يراقبون أراضيهم من خلف الشاشات، بعدما حُرموا من الوصول إليها.
أوجاع لا توصف
لا يُحسد أبناء المنصوري على واقعهم. يتفرجون على دمار بلدتهم من بعيد، يرصدون منازلهم عبر عدسات الكاميرات، ويشاهدون يوماً بعد يوم ما تبقى منها يتراجع أمام أعينهم. “يلتقطون وجعاً لا يوصف”، يقول مديحلي لـِ “المدن” قبل أن يعودوا إلى مراكز النزوح القاسية.
بين التهجير والدمار، تبدو المنصوري أمام واقع يتجاوز خسارة الأبنية. فالمسألة، بالنسبة إلى أهلها، تتعلق باقتلاع الحياة نفسها من المكان: منازل، بساتين، آبار، مواسم، أعمال، وذاكرة عمرها عقود. يقول مديحلي إن ما يجري يجعل الناس يشعرون وكأن هناك محاولة “لقتل الناس وهم على قيد الحياة”، قبل أن يوجّه سؤالاً إلى رؤساء الدولة والمعنيين: “لماذا تخليتم عن المنصوري وتركتم العدو يدمرها من دون أي رادع؟”.
في المنصوري، لم يعد السؤال فقط عن حجم الدمار الذي حلّ بالبلدة، إنما عن مستقبلها. هل يمكن لأهلها أن يعودوا إليها؟ وهل يمكن إعادة بناء ما تهدّم؟ وماذا سيبقى من البلدة إذا استمر التجريف والتفجير والتهجير؟ هذه الأسئلة تفتح الباب على واحدة من أصعب المراحل التي يعيشها جنوب لبنان: مرحلة لا تتوقف عند الاحتلال والدمار، وتمتد إلى الخشية من تغيير وجه القرى وقطع صلتها بأهلها وأرضها.
في المنصوري، كما في قرى الجنوب الأخرى، يسأل الأهالي ويناشدون أحداً يوقف هذا التدمير الممنهج للقرى، ويعيد إلى أهلها حقهم في العودة إلى بيوتهم وأرضهم.



